حذّر تقرير حديث من توسع السلطات المصرية في استخدام القوانين المنظمة للإنترنت والاتصالات والصحافة لفرض قيود على المحتوى الرقمي، ومراقبة البيانات، والتحكم في تشغيل المواقع الإلكترونية. وقال محمد الطاهر، في تقرير نشره، إن تداخل هذه التشريعات يمنح الحكومة صلاحيات أوسع لحجب المحتوى ومتابعة المستخدمين، بما يهدد حرية التعبير والخصوصية وحق الوصول إلى المعلومات.
 

وأشار موقع «المنصة» في تقرير إلى أن منتدى حقوق الإنسان المصري أصدر تقريراً بعنوان «ترميز الصمت: كيف تقيّد القوانين الحقوق الرقمية في مصر»، رصد فيه مجموعة من القيود المفروضة على النشر الإلكتروني، من بينها حجب المواقع، وفرض شروط ترخيص تعسفية على المواقع الإخبارية، وضعف حماية البيانات، وتجريم التعبير واستخدام التشفير، إلى جانب قطع خدمات الإنترنت.


وأوضح التقرير أن هذه القيود لا تستند إلى قانون واحد، بل تنبع من تداخل قواعد جنائية وإدارية وتقنية تسمح بفرض إجراءات تمس حقوق الأفراد قبل استكمال مراجعتها قضائياً. وقد تدفع هذه الحالة من الغموض الأفراد والمؤسسات إلى ممارسة الرقابة الذاتية، خشية الملاحقة القانونية أو تعطيل أنشطتهم.


وأكد التقرير أن هذا النظام يتعارض مع الضمانات الدستورية المتعلقة بحرية الرأي والصحافة، وحرمة المراسلات، والحق في تداول المعلومات. وأرجع المشكلة إلى اتساع نطاق الاستثناءات المستندة إلى مفاهيم مثل الأمن القومي والنظام العام والآداب العامة، فضلاً عن غياب الشفافية بشأن الجهات التي تصدر قرارات التقييد وأسبابها وسبل الطعن عليها.

 


حجب المواقع الإلكترونية.. صلاحيات قانونية متعددة ومراجعة قضائية لاحقة


ذكر التقرير أن القيود واسعة النطاق على المواقع الإلكترونية بدأت في مصر في 24 مايو 2017، ثم امتدت لاحقاً لتشمل منظمات سياسية وحقوقية وخدمات تقنية وأدوات تُستخدم لتجاوز الرقابة.


وأوضح أن صلاحيات الحجب تتوزع بين قانون مكافحة الإرهاب، وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، وقانون تنظيم الصحافة والإعلام، ما يجعل الوصول إلى المواقع عرضة للتقييد عبر مسارات قانونية متعددة.


وتجيز المادة السابعة من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات للجهة المختصة بالتحقيق إصدار قرار بحجب موقع إلكتروني في حالات محددة، على أن يُعرض القرار على المحكمة خلال 24 ساعة، وتفصل فيه خلال 72 ساعة.


كما يسمح القانون، في حالات عاجلة محددة، بإخطار مقدمي خدمات الإنترنت لتنفيذ حجب مؤقت قبل إحالة الأمر إلى جهة التحقيق. ولفت التقرير إلى أن تنفيذ الحجب قبل المراجعة القضائية قد يؤدي إلى وقوع أضرار يصعب تداركها، قبل إتاحة الفرصة للطعن على القرار.


وفي مارس 2024، انتقدت نقابة الصحفيين استمرار حجب عدد من المواقع الإخبارية، وعلى رأسها موقع «المنصة»، الذي تعرض للحجب 13 مرة، كان آخرها في يوليو 2022، رغم رفع القيود عن مواقع أخرى، من بينها «درب» و«سلطة 4» و«ذات مصر» و«مصر 360».

 


تراخيص المواقع الإخبارية.. أعباء إدارية تهدد الصحافة المستقلة


انتقد التقرير اشتراط الحصول على ترخيص مسبق من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام لتشغيل المواقع الإخبارية، وفقاً لقانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018. وأشار إلى أن إمكانية وقف المواقع أو حجبها بسبب مخالفة شروط الترخيص تجعل استمرار عملها مرهوناً بموافقة إدارية، رغم الحماية الدستورية لحرية الصحافة.


وفي 27 أكتوبر، قضت محكمة جنح القاهرة الجديدة بتغريم لينا عطا الله، رئيسة تحرير موقع «مدى مصر»، ثلاثة ملايين جنيه، وأمرت بإغلاق الموقع ومصادرة معداته، في القضية رقم 11743 لسنة 2026، على خلفية اتهامات بتشغيل موقع إلكتروني دون ترخيص.


وخلال السنوات الأخيرة، سعى موقع «مدى مصر» إلى الحصول على ترخيص بموجب قانون تنظيم الصحافة والإعلام. وتقدم بطلب إلى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في عام 2018، لكنه لم يتلق رداً. وبعد صدور اللائحة التنفيذية للقانون في عام 2020، قدم الموقع طلباً آخر، لم يتلق المجلس بشأنه رداً أيضاً.


وقال التقرير إن رسوم طلب ترخيص الموقع الإخباري الإلكتروني تبلغ 50 ألف جنيه، أي ما يعادل نحو 915 دولاراً، مشيراً إلى أن اللوائح تحدد مهلة للبت في الطلبات، لكن عدم رد المجلس لا يُعد موافقة ضمنية.


وأضاف أن الرسوم وإجراءات الترخيص تفرض أعباء كبيرة على المبادرات الصحفية الصغيرة والمستقلة، في حين لا يفرض القانون عواقب ملزمة على الجهات الإدارية حال تأخرها في معالجة الطلبات.

 


تجريم التعبير والمراقبة الرقمية.. مخاوف على الخصوصية والتشفير


تناول التقرير أيضاً استخدام جرائم نشر الأخبار الكاذبة والسب والقذف، إلى جانب مواد تتعلق بقيم الأسرة، لتقييد التعبير عبر الإنترنت. وحذّر من أن الصياغات الفضفاضة لبعض النصوص الجنائية قد تعرّض منشورات المستخدمين وتعليقاتهم للملاحقة القانونية.


ودعا التقرير إلى وضع ضمانات تحول دون استخدام إجراءات المراقبة والتتبع المنصوص عليها في قانون الإجراءات الجنائية الجديد، المقرر بدء العمل به في أكتوبر 2027، بما يؤدي إلى مزيد من القيود على الخصوصية.


وأوصى منتدى حقوق الإنسان المصري بإنهاء حجب المواقع الإلكترونية، وإلزام السلطات بتوضيح أسباب قراراتها وإتاحة الطعن عليها سريعاً، إلى جانب نشر بيانات دورية بشأن أوامر الحجب.
 

كما دعا إلى استبدال نظام الترخيص المسبق للمواقع الإخبارية المستقلة بنظام إخطار مبسط، وخفض تكاليف الترخيص، وقصر العقوبات الجنائية في قضايا التعبير، وحماية التشفير باعتباره أداة ضرورية لتأمين الاتصالات.
 

وخلص التقرير إلى أن الضمانات الدستورية المكتوبة لا تكفي وحدها لحماية الحقوق الرقمية، ما دامت القوانين والإجراءات تسمح بتوسيع القيود والانتقاص من الحقوق قبل أن يتمكن المتضررون من الطعن عليها بفاعلية.

 

https://manassa.news/en/news/34822